سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
112
الإكسير في علم التفسير
تجافيان « 1 » متقارب الحروف وتملّانه ، كما يملان تكرار الحرف الواحد من المخرج الواحد لما في ذلك من ثقل التلفظ ، واللّه أعلم . الصفة الثانية : أن تكون مألوفة قد صقلتها الألسن ، وآنست بها الأسماع والقلوب ، لكثرة دورانها في الاصطلاح ، غير وحشية ، ولا متوعرة ، ولهذا لم يكن في القرآن العزيز شيء من الوحشي ، ولو ورد فيه لما قبح ؛ لأنه لسان المخاطبين به وعرفهم ، ولكن لما كان مستمرا في القرون والأمصار تلاوة وكتابة واستعمالا ، أنزله اللّه تعالى عريّا عن الوحشي بالنسبة إلى من يأتي بعد من خوطب به . واعلم أن الكلمة ليست لذاتها وحشية ولا مألوفة ، بل هذه صفة إضافية لها ، وهي بالإضافة إلى من كثر دورانها في كلامه ، وأنس بها سمعه مألوفة ، وبالإضافة إلى عكسه بالعكس ، ألا ترى أن العرب كانوا يستعملون في مفاوضاتهم ألفاظا لا يفهمها من أهل زماننا إلا كل فاضل بارع نظر في كتب اللغة ، وقرأ على الشيوخ ، وكان ذلك بالنسبة إليهم فصيحا حسنا رائقا ، كالألفاظ التي في حديث أم زرع « 2 » ، وحديث طهفة بن أبي زهير النهديّ « 3 » ، ولو استعمل أحد من هؤلاء الحاضرة تكلفا ، لعدّ قبيحا ، ومن عده فصاحة أخطأ ، وذلك قول ابن الرومي : أسقني السكركة الصّنبر في جعضلفونه واترك الفيجن فيه يا خليلي بغصونه « 4 » وقول الآخر في صفة المطر : متغطمط غصب الوحوش مكانها * تياره فالضب جار الضّفدع « 5 »
--> ( 1 ) في الأصل : تجاف . ( 2 ) رواه البخاري ، انظر عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 20 - 168 ، وهو حديث طويل يشمل إحدى عشرة امرأة يتحدثن عن أزواجهن . ( 3 ) نهد : إحدى قبائل اليمن ، وقد قام طهفة عن وفد بني نهد يتحدث عنهم أمام الرسول وذكر حديثا فيه غريب كثير . انظر الإصابة في تمييز الصحابة 3 - 298 ط المشرفية . ( 4 ) الفيجن : السّذاب ، قال ابن دريد : ولا أحسبها عربية صحيحة ، وقد أفجن الرجل إذا دام على أكل السذاب . اللسان مادة فجن . ( 5 ) بحر متغطمط : كثير الأمواج له صوت مسموع . اللسان مادة غطمط .